الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
408
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ويكون ما دل على الجواز من الدليل القطعي مقابلا بأصالة البراءة دون الدليل الظني القاضي بوجوب الاجتناب وهو كلام ساقط جدا لو تم يقضي بعدم جريان أصالة البراءة والإباحة في شيء من المقامات ثم إن للفاضل المذكور إيرادا متأخرا على هذا الإيراد أجبنا إيراد جملة منها في المقام ونشير إلى ما يرد عليها من الكلام حتى يتضح به حقيقة المرام منها منع جواز الإسناد في رفع التكليف إلى أصل البراءة وقوله إن العقل يحكم بأنه لا يثبت تكليف إلى آخره يظهر إن أراد به الحكم القطعي فهو أول الكلام كما يعرف من ملاحظة أدلة أصالة البراءة سيما بعد ورود الشريعة والعلم الإجمالي بثبوت الأحكام الشرعية خصوصا بعد ورود مثل خبر الصحيح في خلافه وإن أراد الحكم الظني كما يشعر به كلامه سواء كان بذاته مفيدا للظن أو من جهة استصحاب الحالة السابقة فهو ظن مستفاد من ظواهر الأخبار والآيات التي لم يثبت حجيتها بالخصوص مع أنه ممنوع بعد ورود الشرع ثم بعد ورود الخبر الصحيح الوارد إذا حصل منه ظن أقوى ومنها أن قوله ويؤكد ذلك إلى آخره فيه أنها عمومات لا تفيد إلا الظن بل هي ظاهرة في غير الفروع وشمول عموم ما دل على حجية ظواهر القرآن لما نحن فيه ممنوع لأنه إن كان هو الإجماع ففيما نحن فيه أول الكلام وإن كان غيرها فليس إلا الظنون الحاصلة من الأخبار وقد مر الكلام في الاستدلال بها ومنها أن قوله وأما فيما لم يكن مندوحة عنه إلى آخره إن أراد به بيان التخيير المفروض مفاد أصل البراءة فيقدم على الدليل الظني فهو فاسد إذ بعد تعارض دليل القولين لا شيء في مقابلة أصل البراءة حتى يقال إنه ظن لا يعمل به بل يرجع الكلام إلى جريان أصل البراءة فيما لا نص فيه ومقابله حينئذ أدلة التوقف والاحتياط والمورد أيضا لا يقول بذلك فإنه لا يقول ببراءة الذمة عن مقتضى القولين جميعا لعده ذلك بما لا مندوحة عنه والمستدل أيضا لا يقول به لذهابه إلى ترجيح الظن وإن أراد أن هذا التخيير إنما هو في العمل بما اختاره من القولين ومع اختيار أي منهما يكون العمل به واجبا عليه فذلك مما لا ربط له بأصل البراءة انتهى ملخصا ويتوجه عليها أما على الأول فأولا بأن منظور المورد هو المنع من قضاء انسداد باب العلم بالرجوع إلى الظن ووجوب الأخذ به باحتمال الرجوع إلى أصل البراءة وترك العمل بالظن نظرا إلى حكم العقل إلى آخره وحجة المنع لا يتوقف على قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء العلم بالواقع كيف ولو أراد ذلك لما أبدى للإيراد المذكور بصورة المنع ولو ادعى للعلم بذلك فإن ادعى كونه ضروريا عند العقل لزم أن يكون القول بحجية الظن عنده مصادما للضرورة وهو واضح الفساد وإن ادعى كونه نظريا كان الدليل الموصل إليه معارضا للدليل المذكور وهو خلاف ما يعطيه كلام المورد إذ ليس بصدد المعارضة ولو أراد ذلك لكان اللازم عليه حينئذ بيان ذلك حتى يتم المعارضة مع أنه لم يشير إليه في الإيراد وثانيا نختار أن المراد بحكم العقل قطعه بانتفاء التكليف مع انتفاء العلم لكن لا يريد به خصوص العلم بالواقع بل ما يعمه والعلم به من الطريق المقرر للوصول إلى الحكم وإن لم يكن مفيدا للعلم بالواقع ولا الظن به أيضا وقطع العقل حينئذ بانتفاء التكليف ظاهر لوضوح قبح التكليف مع انتفاء طريق موصل إليه من العلم وما يقوم مقامه من الطرق المقررة ومحصل الإيراد في المنع من قضاء انسداد باب العلم بالرجوع إلى الظن لاحتمال الحكم بسقوط التكليف نظرا إلى ما قطع به العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء السبيل الموصل إليه فكما أن انسداد سبيل العلم بالواقع هو الذي هو الطريق المقرر أولا للوصول إليه قد يكون قاضيا بانتفاء سبيل آخر إلى الواقع كما هو مقصود المستدل وذلك فيما إذا علم بقاء التكليف بعد حصول الانسداد وكذا قد يكون قاضيا بسقوط التكليف مع عدم العلم ببقائه نظرا إلى انسداد الطريق إليه وقطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء طريق إليه فظهر بما قررنا أن قطع العقل بانتفاء التكليف مع انتفاء الطريق إليه قد يقتضي قطع العقل في المقام بانتفاء التكليف إذ كون الظن حينئذ طريقا إلى الواقع هو المبحوث عنه في المقام فما ذكره من أن حكم العقل ببقاء التكليف حينئذ أول الكلام مشيرا به إلى أن ذلك نفي تعين المدعى كما ترى والظاهر أن ما ذكر غير قابل للمنع فإنه من الواضحات حسبما مر الكلام فيه كيف ولو لم يتم ما ذكره القائل بحجية الظنون من الدليل المذكور وغيره مما احتجوا به على ذلك لما قال بحجية الظن فمنع ذلك في المقام ليس في محله وكذا لا فرق في ذلك مطلقا بعد ورود الشرع وقبله فإن عدم ثبوت التكليف من غير طريق للمكلف إلى الوصول إليه أمر عقلي لا يختلف الحال فيه قبل ورود الشرع وبعده وثالثا أن تسليم كون نفي التكليف حينئذ مظنونا كاف في مقام رفع الحجية وليس من قبيل الاستدلال بالظن على الظن ليدور دفع الظن بالظن مما لا مانع منه فإنه لو كان حجة لم يكن حجة وما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل وقد مر الكلام فيه وأما على الثاني فبأن كونها عمومات لا تفيد إلا الظن على فرض تسليمه كاف فيما هو مقصود المعترض عن دفع حجية الظن لما عرفت من جواز دفع الظن بالظن وأيضا لم يستند إليها المورد في مقام الاستدلال حتى يورد عليه بذلك وإنما ذكره في مقام التأييد والاستشهاد ليتبين اعتضاد ما ادعاه من حكم العقل بالشواهد الشرعية ومن الواضح كفاية الدلالة الظنية في ذلك فلا وجه للإيراد عليه بكونه ظنيا ودعوى كونها ظاهرة في غير الفروع مما لا وجه له كما مرت الإشارة إليه وما ذكره من منع شمول عموم ما دل على حجية القرآن لمحل الكلام غير متجه أيضا وكأنه أراد به منع شمول ما دل على حجية الكتاب بالنسبة إلى هذه الأعصار وحسب ما أشار إليه في محل آخر وهو مدفوع بما قرر في محله حتى إن الإجماع القائم على حجيته شامل لذلك أيضا كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله ولو أراد بذلك المنع من الحجية بالنسبة إلى خصوص محل الكلام نظرا إلى حصول الخلاف فالمانع من قيام الإجماع على حجيته بحيث يشمل المقام فهو موهون جدا لوضوح أن الإجماع القائم على حجية الكتاب لا ينافي الخلاف الواقع في المسائل التي دل بها الكتاب على حكمها فلا وجه للقول بكونه شمول الإجماع لما نحن فيه أول الكلام وأما على الثالث فبأن القول بكون التخيير المذكور مفاد أصالة البراءة إنما يصح بدفع خصوص كل من الوجهين بالأصل حيث لم يقم عليه دليل قاطع ولما لم يكن هناك مندوحة من الأخذ بأحدهما لقيام الدليل القاطع على وجوب أحدهما نظرا إلى اتفاق الفريقين عليه لزم البناء على التخيير وحينئذ فليس التخيير المذكور مفاد أصل البراءة خاصة بل إنما يجيء من جهة العلم بوجوب أحدهما مع عدم ثبوت كل من الخصوصيتين لعدم قيام دليل قاطع عليه فأصالة البراءة هنا واقعة لكل من الدليلين الظنيين سواء كانا متعادلين أو كان أحدهما راجحا على الآخر وانتفاء المندوحة إنما يجيء من قيام الدليل القاطع على وجوب أحدهما فلا مناص عن الأخذ